فصل: قال القاسمي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقد روى ذلك جماعة عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأبي صالح والربيع والسدى ومجاهد.
وفي البحر عن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد الأسد المخزومي، والمراد ضغطة القبر حتى تختلف فيه أضلاعه وروي ذلك مرفوعًا أيضًا فقد أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن في قبره في روضة خضراء ويرحب له قبره سبعين ذراعًا ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر هل تدرون فيم أنزلت {ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} قالوا: الله ورسوله اعلم قال: عذاب الكافر في قبره يسلط عليه تسع وتسعون تنينا هل تدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون».
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده وعبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في كتاب عذاب القبر وجماعة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {مَعِيشَةً ضَنكًا} «عذاب القبر» ولفظ عبد الرزاق يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ولفظ ابن أبي حاتم ضمة القبر إلى غير ذلك ومن قال: الدنيا ما قبل القيامة الكبرى قال ما يكون بعد الموت واقع في الدنيا كالذي يكون قبل الموت.
وقال بعضهم: إنها تكون يوم القيامة في جهنم وأخرج ذلك ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: المعيشة الضنك في النار شوك وزقوم وغسلين وضريع وليس في القبر ولا في الدنيا معيشة وما المعيشة والحياة إلا في الآخرة، ولعل الأخبار السابقة لم تبلغ هذا القائل أو لم تصح عنده، وأنت تعلم أنها إذا صحت فلا مساغ للعدول عما دلت عليه وإن لم تصح كان الأولى القول بأنها في الدنيا لا في الآخرة لظاهر ذكر قوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُ}.. إلخ. بعد الأخبار بأن له معيشة ضنكا وقرأت فرقة منهم أبان بن تغلب وقرأت فرقة منهم أبان بن تغلب {وَنَحْشُرُهُ} بإسكان الراء وخرج على أنه تخفيف أو جزم بالعطف على محل {فَإِنَّ لَهُ}.. إلخ. لأنه جواب الشرط كأنه قيل. ومن أعرض عن ذكر تكن له معيشة ضنك ونحشره إلخ.
ونقل ابن خالويه عن أبان أنه قرأ {وَنَحْشُرُهُ} بسكون الهاء عى إجراء الوصل مجرى الوقف.
وفي البحر الأحسن تخريج ذلك على لغة بني كلاب. وعقيل فإنهم يسكنون مثل هذه الهاء، وقد قرئ {لِرَبّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6] بإسكان الهاء، وقرأت فرقة {ويحشره} بالياء {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى} الظاهر أن المراد فاقد البصر كما في قوله تعالى: {نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا} [الإسراء: 97].
{قَالَ} استئناف كما مر {رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} أي في الدنيا كما هو الظاهر، ولعل هذا باعتبار أكثر أفراد من أعرض لأن من أفراده من كان أكمه في الدنيا.
والظاهر أن هذا سؤال عن السبب الذي استحق به الحسر أعمى لأنه جهل أو ظن أن لا ذنب له يستحق به ذلك.
{قَالَ} الله تعالى في جوابه {كذلك أَتَتْكَ ءاياتنا} الكاف مقحمة كما في مثلك لا يبخل وذلك إشارة إلى مصدر أتتك أي مثل ذلك الإتيان البديع أتتك الآيات الواضحة النيرة.
وعند الزمخشري لا إقحام وذلك إشارة إلى حشره أعمى أي مثل ذلك الفعل فعلت أنت.
وقوله تعالى: {أَتَتْكَ}.. إلخ. جواب سأال مقدر كأنه قيل: يا رب ما فعلت أنا؟ فقيل: أتتك آياتنا {فَنَسِيتَهَا} أي تركتها ترك المنى الذي لا يذكر أصلًا، والمراد فعميت عنها إلا أنه وضع المسبب موضع السبب لأن من عمي عن شيء نسيه وتركه.
والإشارة في قوله تعالى: {وكذلك} إلى النسيان المفهوم من نسيتها والكاف على ظاهرها أي مثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا {اليوم تنسى} أي تترك في العمى جزاء وفاقًا، وقيل: الكاف بمعنى اللام الأجلية كما قيل في قوله تعالى: {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198] أي ولأجل ذلك النسيان الصادر منك تنسى.
وهذا الترك يبقى إلى ما شاء الله تعالى ثم يزال العمى عنه فيرى أهوال القيامة ويشاهد النار كما قال سبحانه: {وَرَأَى المجرمون النار فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53] الآية ويكون ذلك له عذابًا فوق العذاب وكذا البكم والصمم يزيلهما الله تعالى عنهم كما يدل عليه قوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم: 38].
وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن الكافر يحشر أولًا بصيرًا ثم يعمى فيكون الأخبار بأنه قد كان بصيرًا إخبارًا عما كان عليه في أول حشره، والظاهر أن ذلك العمى يزول أيضًا، وعن عكرمة أنه لا يرى شيئًا إلا النار، ولعل ذلك أيضًا في بعض أجزاء ذلك اليوم وإلا فكيف يقرأ كتابه، وروي عن مجاهد ومقاتل والضحاك وأبي صالح وهي رواية عن ابن عباس أيضًا أن المعنى نحشره يوم القيامة أعمى عن الحجة أي لا حجة له يهتدي بها.
وهو مراد من قال: أعمى القلب والبصيرة، واختار ذلك إبراهيم ابن عرفة وقال كلما ذكر الله سبحانه في كتابه العمى فذمه فإنما يراد به عمى القلب قال سبحانه وتعالى: {فَإِنَّهَا لاَ تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور} [الحج: 46] وعلى هذا فالمراد بقوله: {وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} [طه: 125] وقد كنت عالما بحجتي بصيرًا بها أحاج عن نفسي في الدنيا.
ومنه يعلم اندفاع ما قاله ابن عطية في رد من حمل العمى على عمى البصيرة من أنه لو كان كذلك لم يحس الكافر به لأنه كان في الدنيا أعمى البصيرة ومات وهو كذلك.
وحاصل الجواب عليه إني حشرتك أعمى القلب لا تهتدي إلى ما ينجيك من الحجة لأنك تركت في الدنيا آياتي وحججي وكما تركت ذلك تترك على هذا العمى أبدًا، وقيل: المراد بأعمى متحيرًا لا يدري ما يصنع من الحيل في دفع العذاب كالأعمى الذي يتحير في دفع ما لا يراه.
وليس في الآية دليل كما يتوهم على عد نسيان القرآن أو آية منه كبيرة كما ذهب إليه الإمام الرافعي ويشعر كلام الإمام النووي في الروضة باختياره لأن المراد بنسيان الآيات بعد القول بشمولها آيات القرآن تركها وعدم الإيمان بها.
ومن عد نسيان شيء من القرآن كبيرة أراد بالنسيان معناه الحقيقي نعم تجوز أبو شامة شيخ النووي فحمل النسيان في الأحاديث الواردة في ذم نسيان شيء من القرآن على ترك العمل به.
وتحقيق هذه المسألة وأن كون النسيان بالمعنى الأول كبيرة عند من قال به مشروط كما قال الجلال البلقيني والزركشي وغيرهما بما إذا كان عن تكاسل وتهاون يطلب من محله وكذا تحقيق حال الأحاديث الواردة في ذلك.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف: {أعمى} بالإمالة في الموضعين لأنه من ذوات الياء.
وأمال أبو عمرو في الأول فقط لكونه جديرًا بالتغيير لكونه رأس الآية وحل الوقف.
{وكذلك} أي ومثل ذلك الجزاء الموافق للجنابة {نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ} بالانهماك في الشهوات {وَلَمْ يُؤْمِن بآيات رَبّهِ} بل كذبها وأعرض عنها، والمراد تشبيه الجازء العام بالجزاء الخاص {وَلَعَذَابُ الآخرة} على الاطلاق أو عذاب النار {أَشَدُّ مِنَ عَذَابِ الاولى وأبقى} أي أكثر بقاء منه أو أشد وأبقى من ذلك ومن عذاب القبر أو منهما ومن الحشر على العمي. اهـ.

.قال الشوكاني:

قوله: {قَالَ اهبطا} قد مرّ تفسيره في البقرة، أي انزلا من الجنة إلى الأرض، خصهما الله سبحانه بالهبوط؛ لأنهما أصل البشر، ثم عمم الخطاب لهما ولذرّيتهما فقال: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} والجملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن يقال: خاطبهما في هذا وما بعده خطاب الجمع؛ لأنهما منشأ الأولاد.
ومعنى {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}: تعاديهم في أمر المعاش ونحوه، فيحدث بسبب ذلك القتال والخصام {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى} بإرسال الرسل وإنزال الكتب {فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى} أي لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى} أي عن ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه، ولم يتبع هداي {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} أي فإن له في هذه الدنيا معيشة ضنكًا، أي عيشًا ضيقًا.
يقال: منزل ضنك وعيش ضنك، مصدر يستوي فيه الواحد وما فوقه والمذكر والمؤنث، قال عنترة:
إن المنية لو تمثل مثلت ** مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل

وقرئ {ضُنكى} بضم الضاد على فُعلى، ومعنى الآية: أن الله عزّ وجلّ جعل لمن اتبع هداه وتمسك بدينه أن يعيش في الدنيا عيشًا هنيًا غير مهموم ولا مغموم ولا متعب نفسه، كما قال سبحانه: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً} [النحل: 97].
وجعل لمن لم يتبع هداه وأعرض عن دينه أن يعيش عيشًا ضيقًا وفي تعب ونصب، ومع ما يصيبه في هذه الدنيا من المتاعب، فهو في الأخرى أشدّ تعبًا وأعظم ضيقًا وأكثر نصبًا، وذلك معنى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى} أي مسلوب البصر.
وقيل: المراد: العمى عن الحجة.
وقيل: أعمى عن جهات الخير لا يهتدي إلى شيء منها.
وقد قيل: إن المراد بالمعيشة الضنك: عذاب القبر، وسيأتي ما يرجح هذا ويقوّيه.
{قَالَ رَبّى لِمَ حَشَرْتَنِي أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} في الدنيا {قَالَ كذلك} أي مثل ذلك فعلت أنت، ثم فسره بقوله: {أَتَتْكَ آياتنا فَنَسِيتَهَا} أي أعرضت عنها وتركتها ولم تنظر فيها {وكذلك اليوم تنسى} أي مثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا تنسى، أي: تترك في العمى والعذاب في النار.
قال الفراء: يقال: إنه يخرج بصيرًا من قبره فيعمى في حشره.
{وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} أي مثل ذلك الجزاء نجزيه.
والإسراف: الانهماك في الشهوات.
وقيل: الشرك.
{وَلَمْ يُؤْمِن بئايات رَبّهِ} بل كذب بها {وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ} أي أفظع من المعيشة الضنك {وأبقى} أي أدوم وأثبت لأنه لا ينقطع.
وقد أخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة، وذلك أن الله يقول: {فَمَنِ اتبع هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى}» وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس قال: أجار الله تابع القرآن من أن يضلّ في الدنيا أو يشقى في الآخرة، ثم قرأ: {فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى} قال: لا يضلّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور، ومسدد في مسنده، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا في قوله: {مَعِيشَةً ضَنكًا} قال: عذاب القبر.
ولفظ عبد الرزاق قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.
ولفظ ابن أبي حاتم قال: ضمة القبر.
وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف.
وقد روي موقوفًا.
قال ابن كثير: الموقوف أصح.
وأخرج البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} قال: «المعيشة الضنكى أن يسلط عليه تسعة وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة» وأخرج ابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه بأطول منه.
قال ابن كثير: رفعه منكر جدًا.
وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} قال: «عذاب القبر» قال ابن كثير بعد إخراجه: إسناد جيد.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود في قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} قال: عذاب القبر، ومجموع ما ذكرنا هنا يرجح تفسير المعيشة الضنك بعذاب القبر.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني، والبيهقي في كتاب عذاب القبر عن ابن مسعود؛ أنه فسر المعيشة الضنكى بالشقاء.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى} قال: عمي عليه كل شيء إلا جهنم، وفي لفظ: لا يبصر إلا النار.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: {وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} قال: من أشرك بالله. اهـ.

.قال القاسمي:

{قَالَ} أي: بعد قبول توبته: {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} أي: انزلا من الجنة إلى الأرض: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أي: متعادين.
قال المهايمي: فالمرأة عدوّة الزوج، في إلجائه إلى تحصيل الحرام. والزوج عدوّها في إنفاقه عليها. وإبليس يوقع الفتنة بينهما، ويدعوهما إلى أنواع المفاسد التي لا ترتفع إلا باتباع الأمر السماويّ {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً} أي: من كتاب ورسول {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} أي: لا في الدنيا ولا الآخرة. قال أبو السعود: ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: هُدَايَ مع الإضافة إلى ضميره تعالى، لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه.
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} اعلم أنه لما أخبر سبحانه عن حال من اتبع هداه في معاشه ومعاده، أخبر عن حال من أعرض عنه ولم يتبعه، من شقائه في الدنيا والآخرة. وهذا الشقاء بقسميه، هو نوع من أفانين العذاب اللاحقة لمن تولى عن هدى الله الذي بعث به خاتم أنبيائه، ولم يقبله ولم يستجب له، ولم يتعظ به فينزجر عما هو عليه مقيم من خلافه أمرَ ربه.
وفي الآية مسائل:
الأولى: قال الرازي في قوله تعالى: {عَن ذِكْرِي}: الذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى. ويحتمل أن يراد به الأدلة. وقال ابن القيّم في مفتاح دار السعادة: أي: عن الذكر الذي أنزلته. والذكر هنا مصدر مضاف إلى الفاعل. كقيامي وقراءتي لا إلى المفعول. وليس المعنى: ومن أعرض عن أن يذكرني. بل هذا لازم المعنى ومقتضاه من وجه آخر. وأحسن من هذا الوجه أن يقال: الذكر هنا مضاف إضافة الأسماء، لا إضافة المصادر إلى معمولاتها. والمعنى: ومن أعرض عن كتابي ولم يتبعه، فإن القرآن يسمى ذكرًا. قال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنبياء: 50]، وقال تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} [آل عِمْرَان: 58]. وقال تعالى: {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [القلم: 52]. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ} [فصلت: 41]. وقال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ} [يس: 11]، وعلى هذا فإضافته كإضافة الأسماء الجوامد التي لا يقصد بها إضافة العامل إلى معموله. ونظيره في إضافة اسم الفاعل: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} [غافر: 3]، فإن هذه الإضافات لم يقصد بها قصد الفعل المتجدد، وإنما قصد الوصف الثابت اللازم. ولذلك جرت أوصافًا على أعرف المعارف، وهو اسم الله تعالى في قوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ} [غافر: 2- 3].